محمد أبو زهرة

45

زهرة التفاسير

وال سورة التي لم تصدر بها ، ثبت عدم تقدمها لهذه ال سورة بالتواتر ، فهي متواترة بالذكر في كل السور ، ومتواترة بالسلب في سورة واحدة . ولهذا نرى أن نسبة ذلك القول إلى إمام دار الهجرة مالك هو في ذاته موضع نظر ، وقد اقترن ذلك بادعاء أنه لم يقرأها أحد من أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، فيقول القرطبي عفا الله عنه : « في مسجد النبي صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة انقرضت عليه العصور ومرت عليه الأزمنة والدهور من لدن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم إلى زمان مالك ، ولم يقرأ أحد فيه قط بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اتباعا لسنة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم . وإن لنا أن نرد ذلك القول ، ونأخذ ذلك من كلامه هو ، فهو قد روى أن عمر ، وعليا ، وابن مسعود ، وعمار بن ياسر ، كانوا يقرءونها ويسرون بها . وروى هو أيضا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه كان يسر بها ولا يجهر ، فقد روى عن أنس ابن مالك رضي الله عنه أنه قال : « كان يصلى بنا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فلم يسمعنا قراءة « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » * « 1 » وروى عنه أيضا : صليت خلف رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، وخلف أبى بكر ، وعمر ، فلم أسمع أحدا منهم يجهر ب « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » * « 2 » . فالأمر أمر الجهر بها ، لا أمر تركها ، وفرق كبير بين الترك لها أصلا ، وترك الجهر بها . وبذلك ينتفي ما ادعاه من أن أحدا لم يقرأها ، اتباعا للسنة إن كانت سنة ، وذلك لأنهم قرءوها خفية وفي سر ، آخذين ذلك من سنة النبي صلى اللّه عليه وسلم .

--> ( 1 ) رواه النسائي : كتاب الافتتاح - باب : ترك الجهر ب « بسم الله الرحمن الرحيم » ( 906 ) وبنحوه عند البخاري ( 743 ) ، ومسلم ( 399 ) ، والترمذي ( 246 ) ، وأبو داود ( 782 ) ، وابن ماجة ( 813 ) ، وأحمد ( 11580 ) . ( 2 ) أخرجه بهذا اللفظ النسائي : كتاب الافتتاح ( 907 ) ، راجع التخريج السابق .